بعد خمسة أيام من المواجهات الدامية بين الموالاة والمعارضة في لبنان ، كشرت واشنطن عن أنيابها وتدخلت على خط الأزمة ، ولكن هذه المرة ليس عبر التهديدات اللفظية وإنما بالإشارات العسكرية ، حيث قرر الرئيس الأمريكي جورج بوش في 12 مايو إعادة السفينة الحربية "يو. اس.اس. كول" إلى سواحل لبنان .
هذا التطور رغم أن البعض قد ينظر إليه على أنه مؤشر على نية واشنطن التدخل عسكريا لإنقاذ حلفائها في لبنان ، إلا أن هناك من يرى أن الأمر لايخرج عن كونه سوى محاولة لاستعراض العضلات للحفاظ على ماتبقى من الهيبة الأمريكية في المنطقة وذلك بمنع الانهيار التام لفريق 14 آذار.
فالمؤشرات كلها تؤكد أن حزب الله حسم مبكرا المواجهة الأخيرة مع الأغلبية الحاكمة ، وبالنظر إلى أن هذا الأمر قد يشكل ضغطا على حلفاء واشنطن لتقديم تنازلات فيما يتعلق بأزمة الفراغ الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية التي يصر عليها حزب الله ، فقد سارعت واشنطن للتلويح مجددا بالمدمرة كول لمنع حزب الله من تحقيق إنجازات جديدة على الأرض قد تعجل بموت المشروع الأمريكي في المنطقة (الشرق الأوسط الجديد ) ، الذي يقوم على أساس القضاء على قوى الممانعة والمقاومة ( حزب الله وحماس وإيران وسوريا) وتفتيت الدول العربية الواحدة تلو الأخرى.
ولعل هذا ما ظهر واضحا في التصريحات التي أدلى بها زعيم تيار المستقبل سعد الحريري في 13 مايو بعد يوم من إعلان بوش ، والتي بدت مغايرة تماما لتصريحاته إبان سيطرة حزب الله على العاصمة بيروت ومحاصرة منزله عندما أكد أنه لن يسمح لأحد بإشعال فتنة بين السنة والشيعة وحذر من الاقتتال الداخلي اللبناني يصب في خدمة الأهداف الإسرائيلية ، فهو هذه المرة بات أكثر جرأة ، حيث وصف حزب الله بأنه " ذراع المخابرات السورية" بلبنان وبأنه يشن حرباً على لبنان بدلاً من إسرائيل لإعادة النظام السوري .
وكان بوش قد أعلن خلال مقابلة مع بي بي سي العربية في 12 مايو أن حزب الله يقضي على استقرار لبنان وأن الولايات المتحدة قررت إعادة المدمرة كول لمساعدة الحكومة اللبنانية ، متهما سوريا وإيران بزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إنه اعتبر أيضا بقاء حكومة فؤاد السنيورة مصلحة إسرائيلية، قائلا :" ما يحدث في لبنان حالياً هو مسألة ديموقراطية تحاول العيش ، ومن مصلحة إسرائيل أن تبقى هذه الديمقراطية. السنيورة رجل طيب وبحاجة إلى تجهيزات عسكرية للتعامل مع عناصر عازمة على زعزعة الاستقرار في بلاده".
وصب جام غضبه على الجيش اللبناني لالتزامه الحياد ، وطالبه بحماية قادة الموالاة في لبنان ، سعد الحريري ووليد جنبلاط والسنيورة ، قائلا :" قررت إعادة المدمرة كول لأنها الطريقة الأمثل لدفع الديمقراطية في لبنان والضغط على سوريا إلى حين يستطيع الجيش اللبناني حماية البلاد والحكومة".
تصريحات بوش اعتبرها البعض بأنها فقط مجرد محاولة لحفظ ماء الوجه والتغطية على هزيمة أخرى منى بها على أرض لبنان أمام حزب الله ومن خلفه سوريا وإيران ، بجانب إظهار الدعم لحلفائه المهزومين في فريق 14 آذار ، إلا أنها أبعد ما تكون عن التفكير في التدخل العسكري الفعلي.
الفرضية تلك تستند إلى عدة وقائع أبرزها أن بوش كان قد أرسل المدمرة كول إلى سواحل لبنان في 28 فبراير 2008 إبان احتدام أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان وتصاعد الحصار والعدوان الإسرائيلي على غزة ، إلا أنها سرعان ما غادرت البحر الأبيض المتوسط بعد فترة وجيزة في مارس وهو مايؤكد أن إرسالها يأتي فقط في سياق الحرب النفسية والتغطية على أخطاء حلفائه وهذا ماأشار إليه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عندما أعلن في هذا الوقت أن تحرك المدمرة كول جاء للضغط على سوريا وإيران وحزب الله وصرف النظر عما يجري في غزة.
ولاننسى أيضا أن المحاذير كثيرة أمام أية مغامرة عسكرية جديدة ، ويأتي على رأسها هزيمة إسرائيل في حرب تموز 2006 وغرق أمريكا في العراق ، بجانب تأكد الجميع من هشاشة فريق الموالاة وسيطرة حزب الله ميدانيا على كافة الأمور في بيروت وهذا ما ظهر في المواجهات الأخيرة ، حيث فوجىء العالم بانتشار مقاتلي الحزب بسرعة فائقة وبشكل منظم وهم يحملون بنادق أمريكية متطورة جدا .
وهناك أيضا الصعوبات أمام أي انتشار بري أمريكي ليس فقط للقدرات الفائقة لحزب الله في الحرب البرية وإنما أيضا لتجربة أمريكا المريرة في لبنان في فترة الثمانينات ، حيث تلقى واشنطن باللوم على حزب الله في التفجيرات الانتحارية على السفارة الأمريكية وثكنات البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983 والتي راح ضحيتها 326 جنديا من مشاة الأسطول الأمريكي .
هذا بالإضافة إلى تجربة المدمرة كول المريرة في اليمن ، فهى رغم أنها مزودة بأحدث الصواريخ الموجهة والتكنولوجيا المتطورة إلا أن هذا لم يمنع من تعرضها لهجوم انتحاري قبالة ميناء عدن جنوب اليمن عام 2000 أسفر عن مقتل 17 من بحارتها فضلا عن إصابتها بأضرار مادية بالغة ، وهذا الأمر غير مستبعد تكراره مرة أخرى في لبنان بالنظر للقدرات الصاروخية المتطورة التي بات يمتلكها حزب الله وظهرت بوضوح خلال حرب تموز .
الحقائق السابقة عبر عنها بوضوح الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية العسكرية أهارون زئيفي ، حيث علق على ما يحدث في بيروت منذ 7 مايو ، قائلا :" نصحنا المخابرات الأمريكية بعدم الاعتماد على وليد جنبلاط أو على سعد الحريري، لأننا جربناهم في العام 2006 ، ولم يتبين أن لديهم الجرأة أو القدرة على مواجهة حزب الله. فجماهيرهم عبارة عن بسطاء وعاطفيين لا ينفع معهم كل التدريب. لقد ضاعت جهود دولية وعربية مخابراتية استمرت ثلاث سنوات في ليلة واحدة ، كل عملاء المخابرات في بيروت خرجوا منها الآن . لقد خسر الغرب الكثير بمباغتة نصرالله لحلفائه".
صحيفة المنار الفلسطينية نقلت هى الأخرى عن أحد المسئولين الأمريكيين قوله :" إن خطوات حزب الله والمعارضة اللبنانية في الأيام القليلة الماضية ، قد أفشلت خطط إسرائيل وأمريكا التي تستهدف تقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية، قادة مليشيات الحريري وجنبلاط وجعجع فشلوا مجددا في دعم وإنجاح الخطط الأمريكية والإسرائيلية تماما كما فشلوا خلال حرب تموز 2006 في مساعدة ودعم القوات الإسرائيلية التي شنت حربا على المقاومة اللبنانية".
وهناك أيضا صحيفة "جيرزاليم بوست" الإسرائيلية التي أكدت في 11 مايو أن الدرس البارز الذي خرجت به مما يجرى في بيروت وما جرى قبله في قطاع غزة أنه ما من مكان تقدم فيها أمريكا دعمها المفتوح لأي شخصية عربية، إلا ولوحقت تلك الشخصية في الشارع العربي بالعار، حيث وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ضحية لالتحاقهما بركب السياسة الأمريكية ، موضحة أن انتصار حزب الله على حلفاء أمريكا في شوارع بيروت في الأيام الأخيرة أكد أن الجهود الأمريكية المضنية الجارية منذ سنوات لإلغاء حركة حماس وجماعة حزب الله، ارتدت بالوبال على أمريكا نفسها، بل وأضافت قوة جديدة للجماعتين بين أنصارهما.
وفي السياق ذاته ، نشرت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية في 10 مايو مقالا لكبير محرريها الصحفي الشهير روبرت فيسك قال فيه :" تحرك المعارضة في الأيام الأخيرة في شوارع بيروت أجبر كلا من وليد جنبلاط وسعد الحريري على التخندق في منزليها بالعاصمة المضطربة" ، معتبرا ما يجري في بيروت بأنه إذلال جديد للولايات المتحدة في مقابل انتصار جديد لإيران.
وأمام الحقائق السابقة لم يكن مستغربا أن يعلن ميشيل عون حليف حزب الله وزعيم المعارضة المسيحية أن الولايات المتحدة أرسلت السفينة كول لاستعراض قدراتها الرادعة وأنه غير قلق بشأن هذا التحرك ، وتبقى كلمة نصر الله إبان حرب تموز هى العنصر الحاسم في هذا الصدد ، حيث حذر إسرائيل وأمريكا ، قائلا :" لو أتى كل العالم لن يستطيع هزيمتنا .. حزب الله يمتلك الإرادة والصلابة والقوة وهو أمر لا تملكه جميع قوى العالم ".



















20 مايو, 2008 04:04 م